ابن أبي أصيبعة
644
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
وطلب افتخار الدين إليه وقال أريد الفص فعرفه أنه لشخص فقير نازل عنده قال فأفكر السلطان ثم قال يا افتخار الدين إن صدق حدسي فهذا شهاب الدين السهروردي ثم قام السلطان واجتمع بشهاب الدين وأخذه معه إلى القلعة وصار له شأن عظيم وبحث مع الفقهاء في سائر المذاهب وعجزهم واستطال على أهل حلب وصار يكلمهم كلام من هو أعلى قدرا منهم فتعصبوا عليه وأفتوا في دمه حتى قتل وقيل إن الملك الظاهر سير اليه من خنقه قال ثم إن الملك الظاهر بعد مدة نقم على الذين افتوا في دمه وقبض على جماعة منهم واعتقلهم وأهانهم وأخذ منهم أموالا عظيمة حدثني سديد الدين محمود بن عمر المعروف بابن رقيقة قال كان الشيخ شهاب الدين السهروردي رث البزة لا يلتفت إلى ما يلبسه ولا له احتفال بأمور الدنيا قال وكنت أنا وإياه نتمشى في جامع ميافارقين وهو لابس جبة قصيرة مضربة زرقاء وعلى رأسه فوطة مفتولة وفي رجليه زربول ورآني صديق لي فأتى إلى جانبي وقال ما جئت تماشي إلا هذا الخربند فقلت له اسكت هذا سيد الوقت شهاب الدين السهروردي فتعاظم قولي وتعجب ومضى وحدثني بعض أهل حلب قال لما توفي شهاب الدين رحمه الله ودفن بظاهر مدينة حلب وجد مكتوباعلى قبره والشعر قديم ( قد كان صاحب هذا القبر جوهرة * مكنونة قد براها الله من شرف ) ( فلم تكن تعرف الأيام قيمته * فردها غيرة منه إلى الصدف ) البسيط ومن كلامه قال في دعاءاللهم يا قيام الوجود وفائض الجود ومنزل البركات ومنتهى الرغبات منور النور ومدبر الأمور وواهب حياة العالمين أمددنا بنورك ووفقنا لمرضاتك وألهمنا رشدك وطهرنا من رجس الظلمات وخلصنا من غسق الطبيعة إلى مشاهدة أنوارك ومعاينة أضوائك ومجاورة مقربيك وموافقة سكان ملكوتك واحشرنا مع الذين أنعمت عليهم من الملائكة والصديقين والأنبياء والمرسلين ومن شعر شهاب الدين السهروردي ( أبدا تحن إليكم الأرواح * ووصالكم ريحانها والراح ) ( وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم * وإلى لذيذ وصالكم ترتاح ) ( وارحمتا للعاشقين تكلفوا * ستر المحبة والهوى فضاح ) ( بالسر إن باحوا تباح دماؤهم * وكذا دماء البائحين تباح ) ( وإذا هم كتموا تحدث عنهم * عند الوشاة المدمع السحاح ) ( وبدت شواهد للسقام عليهم * فيها لمشكل أمرهم إيضاح )